الغزالي

88

إحياء علوم الدين

البذر في الأرض ، وبعضه بغرس الأغصان ، وبعضه يركب في الشجر ولو أردنا أن نذكر اختلاف أجناس النبات ، وأنواعه ، ومنافعه ، وأحواله وعجائبه . لانقضت الأيام في وصف ذلك ، فيكفيك من كل جنس نبذة يسيرة تدلك على طريق الفكر فهذه عجائب النبات ومن آياته الجواهر المودعة تحت الجبال ، والمعادن الحاصلة من الأرض ففي الأرض قطع متجاورات مختلفة ، فانظر إلى الجبال كيف يخرج منها الجواهر النفيسة من الذهب والفضة ، والفيروزج ، واللعل وغيرها ، بعضها منطبعة تحت المطارق كالذهب ، والفضة ، والنحاس ، والرصاص ، والحديد ، وبعضها لا ينطبع كالفيروزج واللعل ، وكيف هدى الله الناس إلى استخراجها وتنقيتها ، واتخاذ الأواني والآلات والنقود والحلي منها ثم انظر إلى معادن الأرض من النفط ، والكبريت ، والقار ، وغيرها ، وأقلها الملح ولا يحتاج إليه إلا لتطييب الطعام ، ولو خلت عنه بلدة لتسارع الهلاك إليها ، فانظر إلى رحمة الله تعالى كيف خلق بعض الأراضي سبخة بجوهرها ، بحيث يجتمع فيها الماء الصافي من المطر فيستحيل ملحا مالحا محرقا لا يمكن تناول مثقال منه ، ليكون ذلك تطييبا لطعامك إذا أكلته فيتهنأ عيشك وما من جماد ، ولا حيوان ، ولا نبات ، إلا وفيه حكمة وحكم من هذا الجنس ، ما خلق شيء منها عبثا ، ولا لعبا ، ولا هزلا ، بل خلق الكل بالحق كما ينبغي ، وعلى الوجه الذي ينبغي ، وكما يليق بجلاله وكرمه ولطفه . ولذلك قال تعالى * ( وما خَلَقْنَا السَّماواتِ والأَرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ ) * « 1 » [ التفكر في أصناف الحيوانات ] ومن آياته أصناف الحيوانات وانقسامها إلى ما يطير وإلى ما يمشى ، وانقسام ما يمشى إلى ما يمشى على رجلين ، وإلى ما يمشى على أربع ، وعلى عشر وعلى مائة ، كما يشاهد في بعض الحشرات ، ثم انقسامها في المنافع ، والصور ، والأشكال ، والأخلاق ، والطباع ، فانظر إلى طيور الجو ، وإلى وحوش البر والبهائم الأهلية ، ترى فيها من العجائب ما لا تشك معه في عظمة خالقها ، وقدرة مقدرها ، وحكمة مصورها ، وكيف يمكن أن يستقصى ذلك ! بل لو أردنا أن نذكر عجائب البقة ، أو النملة ، أو النحلة ، أو العنكبوت ، وهي من صغار الحيوانات

--> « 1 » الدخان : 38 ، 39